خليل الصفدي

112

أعيان العصر وأعوان النصر

أما الكتابة فكان فيها غاية يكتب من الطومار إلى قلم الغبار ، ويكتب المصاحف ، والهياكل المدورة ، ويأتي في كل ذلك بالأوضاع الغريبة من العقد ، والإخباط ، وغير ذلك وكان يعمل النشاب بالكرك من أحسن ما يكون ، ويعمل الكستوان ، ويتقنه ، ويزركشه ، ويعمل النجارة الدق ، والتطعيم ، والتطريز ، والخياطة ، والبيطرة ، والحدادة ، ونقش الفولاذ ، والزركش ، والخرد فوشية ، ومد قوسا بين يدي الأمير سيف الدين تنكز - رحمه اللّه تعالى - مائة ، وثلاثين رطلا بالدمشقي ، وكتب مصحفا منقوطا مضبوطا يقرأ في الليل وزن ورقة سبعة دراهم ، وربع ، وجلدة خمسة دراهم ، وكتب آية الكرسي على أرزة ، وعمل زرقبع لابن الأمير سيف الدين تنكز اثنتي عشرة قطعة ، وزنه ثلاثة دراهم يفك ، ويركب بغير مفتاح ، وكتب عليه حفرا مجرى بسواد سورة الإخلاص ، والمعوذتين ، والفاتحة ، وآية الكرسي ، وغير ذلك يقرأ عليه ، وهو مركب ، ومن داخله أسماء اللّه الحسنى لا يبين منها حرف ، واحد إلى حين يفك ، وجعل لمن يفكه ، ويركبه مائة درهم فلم يوجد من يحسن ذلك . وكتب لتنكز قصة قصا في قص ، وقص لامية المعجم . وأما عمل الخواتيم ، ونقشها ، وتحريرها ، وإجراء المينا عليها فلم أر أحدا أتقن ذلك مثله ، ولا قاربه ، وما رأيت مثل أعماله في جميع ما يعمل ، ولا مثل إتقانه . وحفظ القرآن ، وشد طرفا من الفقه ، والعربية ، ولعب بالرمح ، ورمى النشاب ، وجوده ، وأراد تنكز أن يتخذه زردكاشا عنده في وقت وقربه وأعطاه إقطاعا ، وعلى الجملة فما رأيت مجموعه في أحد غيره . ولم يزل على حاله إلى أن حصل له ، وجع المفاصل فاستعمل دواء فيه شحم الحنظل فما أجابه ، وبقي بعده أياما . وتوفي - رحمه اللّه تعالى - في التاريخ المذكور . وكان مقامه في بلاد بيروت ، وكان قد أهدى إلى في وقت طرفا من هدايا بيروت فكتبت أنا : يا سيّدا جاءت هداياه لي * على المنى منّي ، ووفق المراد أنت جواد سابق بالنّدى * من ذا الّذي ينكر سبق الجواد فكتب هو الجواب إليّ عن ذلك : وافى مثالك مطويّا على نزه * يحار مسمعه فيها ، وناظره فالعين ترتع فيما خطّ كاتبه * والسّمع ينعم فيما قال شاعره وإن وقفت أمام الحيّ أنشده * ودّ الخرائد لو تقنى جواهره